محمد الحفناوي
121
تعريف الخلف برجال السلف
بالكلية ، فأودعه عند غيره وأشهد ثم رفع الأمر لأبي عنان بعد ملكه ، وأخبر به فوجه فيه وعاتبه شديدا حين لم يرفع الأمر إليه ، وامتن عليه بتقريبه ورفعه على العلماء فأجابه وقال : إنما عندي شهادة لا يجب علي رفعها بل سترها ، وأما تقريبك إياي فقد ضرّني أكثر مما ينفعني ، ونقص به ديني وعلمي ، وشدد القول عليه أي على السلطان ، فغضب لذلك وسجنه ، ثم ورد إثر ذلك يعقوب ابن علي شيخ أعراب إفريقية على السلطان ، فسأله عما يقول الناس فيه بإفريقية ، فقال : خيرا غير أنهم سمعوا بسجنك عالما شريفا كبير القدر فلامك فيه الخاصة والعامة ، فأمر بإطلاقه والإحسان إليه بلا تسبب منه ولا معرفة ، وهي أعظم محنة امتحن بها . وما زال السلطان يعتذر له عنها حتى مات ، وكان أمينا مأمونا حافظا لسره مالكا لنفسه مقبلا على شأنه ، يركن إليه أهل الدين والدنيا من القريب والبعيد ، وكان قاضي قسنطينة حسن بن باديس وضع عنده أمانة في قرطاس ، فوضعها في بيته فلما طلبه صاحبه أخرجها فوجد مكتوبا على ظاهر القرطاس مائة ذهب فحلّه وعدها فإذا خمس وسبعون ذهبا فزاد فيها خمسة وعشرين ، فأعطاه له فمكث عنده يومين فرجع إليه وقال : يا سيدي وجدت في الأمانة زيادة خمسة وعشرين ، فقال : إنما لم أعدها عند أخذها منك فلما وقع بصري على الخط اختبرتها فلم أجد العدد فكملتها ظانا ضياعها عندي ، فقال : يا سيدي لم أعط إلا خمسة وسبعين فرد الزيادة وشكره ، وحمد اللّه على وجود مثله ، وكان متمسكا في أموره بالسنة ، راكنا لأهلها كثير الاتباع شديدا على أهل البدع ، ذا باس وقوة في نصر الحق ، لا تشاهد في قطره بدعة ، ولا يضع أسرار الشريعة في غير محلها ، ولا يشوش على أحد ويزجر من أخذ فوق قدره . سأله بعضهم عن تفضيل أبي بكر على عمر فزجره ، وكان يحضر مجلسه كبير وزراء الدولة ، فطال يوما على بعض الأئمة ، فنظر إليه نظرة غضب وعنفه فسكت الوزير ، ولم يقطع المجلس ، وقرأ